كتب الزميل حسن الحازمي مقالاً بعنوان (قواعد اللعبة) وضح فيه كيف يستغل صناع الأعلام نزعة المتلقي الفضولية لما هو غير مألوف وكيف ان ذلك الشاذ يعتبر مثيراً يستقطب المشاهد.
حسناً ما كتب حسن ولكنني أريد أن أتحدث عن الموضوع من زاوية أثر ذلك السلوك على أيماننا وقناعتنا وسأذكر تجربتي في عالم الأنترنت.
فقبل عشر سنوات تقريباً وعندما كان موقع الساحة العربية يسمى بيت الطين كنت أحد كتاب ذلك المنتدى. الشاهد كانت الأفكار المختلفة والصوت النشاز تجذبني فكما يقولون مزمار الحي لا يطرب. فكنت أحب أن أقرأ وجهات النظر المختلفة عن وجهة النظر السائدة أين كان مصدر تلك الوجهات. ففي فترة من الفترات نشط الليبراليون ثم التنويريون ثم ظهر الجاميون وهكذا فوجدت نفسي جامع لتلك الشبهات ومن دون أن يكون لدي العلم الكافي لدفعها.
بل أحياناً عندما نقرأ حوار بين طالب علم شرعي مثلاً مع شخص أخر مخالف تجدنا ننزع لقراءة أقوال هذا المخالف لاحتوائه على عنصر الإثارة المذكور أعلاه. ولا نقرأ ردود طالب العلم هذا لإيهامنا أنفسنا أننا نعلم ما يقول أو ما سيقول فهو يتكلم بالدين والدين (عارفينه)..... هكذا نصور لأنفسنا!.
وبهذا السلوك نسمح لسوس الشبهات بالتسرب الى قلوبنا في مقابل عدم أخذ دوائها من الشرع بتوهمنا أننا بخير وان إيماننا ثابت ثبوت الجبال.
ولكن بعد فترة أن لم ينتبه الشخص سيجد السوس قد نخر جبله ألأيماني المزعوم فأصبح أيماناً خاوياً قد يخر عليه والعياذ بالله في أي يوم.
وهنا لن أحجر عليك فكرك, ان كنت محب للأطلاع ولديك الوقت والهمه الكافية أقرأ ما شئت ولكن الزم نفسك أن تذوقت داء فعالجه بالدواء مباشرة ولا تنتظر فالشبه تتراكم وتجذب بعضها البعض.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب رفضها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصبح القلوب على قلبين: قلب أبيض خالصاً، وقلب أسود مرباداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً)
و من خواص الشبهة انها تدخل وتكمن في العقل والقلب حتى يأتيها محفز كشهوة مثلاً او ضعفاً في الأيمان فترجع لك الشبهة لتغير قناعاتك.
او انها تبقى كامنه ولكنها تقوم وبكل هدوء بتجميع ما يعضدها ويقويها حتى ترى عينك او أذنك تتلقط من هنا وهناك ما يتناغم مع تلك الشبهة فتتفاجئ ذات يوم بعودتها لك وبشكل اكثر قوة وفتكاً.
والعلاج عدم البحث عن الشبهات أبتداءً ولكن ماعرض فعالجه في وقته مباشره وهنا أنبه عرض وليس وقع.
قال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
يقول ابن القيم رحمة الله (يكون حال السائر إلى الله والدار الآخرة مع الشبه حال المسافر تعرض له الآفات من العقارب والحيات وغيرها، فما عرض له منها في طريقه قتله، وما لا فلا يتّبعه ولا يبحث عنه إذ لو فعل ذلك لانقطع عن سفره وضل الطريق).
كن كالنحلة لاتقع الا على أطايب الأزهار و لاتكن كالذباب لايقع الا على النجاسات.
و أهم ما ينبغي ان يتنبه له ان لا نستعجل بأتخاذ القرار وتغير القناعه ألا بعد أن نقوم بتمحيص الموضوع تمحيصاً كاملاً ونعود الى أهل العلم المختصين لنعرض لهم ما وقع في قلوبنا لنرى ان كان لديهم الجواب الشافي ام لا.
قال تعالى (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)
دعوة ....لنبتعد عن سماع الشبهات وان وقع في أنفسنا شيء منها فلنلزم أنفسنا بالبحث عن الدواء حالاً. ولنبني جبلنا ألأيماني على أساس من العلم والفقه وليس على الظن والوراثة.
